رأت صحيفة “الجريدة” الكويتية أن الدرهم المغربي بات يلوّح في أفق إفريقيا كرمز لاستعادة السيادة النقدية، وسط رهان متصاعد على تحويله إلى عملة إقليمية قادرة على قيادة دول غرب القارة نحو الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي.
في تحليل وقّعه الكاتب نايف صنيهيت شرار، اعتبرت الصحيفة أن العملة الوطنية المغربية تجاوزت حدودها التقليدية لتتحول، في المخيال الإفريقي الناشئ، إلى أداة دبلوماسية واقتصادية تعبّر عن توجه جديد يعيد طرح مسألة السيادة النقدية من داخل القارة، لا من خارجها.
وبحسب المقال، لا يُقاس موقع الدرهم اليوم فقط بمؤشراته مقابل العملات الدولية، بل بقدرته على حمل مشروع نقدي بديل، يضع إفريقيا في قلب معادلات التمويل والتنمية، لا على هامشها.
وانطلق المقال من رصد الدينامية الاستثمارية المغربية داخل القارة، مبرزاً أن توسع الأبناك وشركات الاتصالات المغربية في أكثر من عشرين دولة لم يكن فعلا تجاريا محضا، بل رافعة استراتيجية لتوسيع نطاق التعامل بالدرهم في القطاعات البنكية والخدماتية، وخلق فضاء مالي إقليمي يبدأ من غرب إفريقيا ولا يُستبعد أن يمتد، تدريجياً، إلى شرقها ووسطها.
ورأت الصحيفة أن خصوصية الطرح المغربي تكمن في تدرجه، وفي اعتماده على أدوات ناعمة بدل الإملاءات المركزية. فالدرهم، كما جاء في المقال، لا يُقدَّم كبديل جاهز للعملات القائمة، بل كخيار سيادي مفتوح، يقوم على تعزيز الثقة المتبادلة، وتكثيف المبادلات التجارية والاستثمارية، وبناء منظومات إقليمية مستقلة عن الهيمنة النقدية التقليدية، ولا سيما من قبل منطقة اليورو.
ولم تُغفل الصحيفة، في هذا الإطار، السياق التاريخي الذي جعل عدداً من الدول الإفريقية تحتفظ بعملات مرتبطة بأنظمة نقدية خارجية، وهو ما اعتبرته عاملاً معيقا لبناء توازن مالي قارّي.
واستحضرت في المقابل تجربة المغرب، الذي حافظ على عملة وطنية مستقلة، تُدار عبر سياسة نقدية منضبطة، ويخضع سعر صرفها لنظام مرن يخضع لإشراف بنك المغرب، المؤسسة التي يُنظر إليها باحترام متزايد داخل الأوساط المالية الإفريقية.
ووفق الصحيفة، فإن هذا التصور لا ينفصل عن الرؤية الاستراتيجية التي يقودها الملك محمد السادس، والتي تضع التعاون جنوب-جنوب في صدارة أولويات المملكة، ليس فقط في ما يخص البنى التحتية والطاقات، بل أيضاً في ما يتعلق بتوطين القرار المالي داخل إفريقيا نفسها.
وعلى الرغم من الإكراهات البنيوية التي تعيق تدويل العملة، ومن بينها الفوارق الكبيرة في مستويات النمو ومحدودية الاحتياطات النقدية في بعض الدول الإفريقية، ترى الصحيفة أن مقترح تعزيز التداول الإقليمي بالدرهم يشكل، في ذاته، نقلة فكرية تعيد ترتيب أولويات النقاش حول المستقبل المالي للقارة.
ولا تستبعد الصحيفة أن يكون الطموح المغربي مقدمة لطرح أكثر عمقا يتعلق بإمكانية بلورة نظام تسويات إفريقي مشترك، تُستخدم فيه عملات وطنية قوية، وعلى رأسها الدرهم، كوسيطات مالية، بما يحدّ من تبعية الاقتصادات الإفريقية للعملات الأجنبية ويخفف الضغط عن احتياطاتها.
وتختم “الجريدة” الكويتية تحليلها بالتأكيد على أن مستقبل العملة المغربية في إفريقيا لن يُحسم في بورصات العملات، بل في قدرة المملكة على مواصلة بناء شراكات استراتيجية متوازنة، تُفضي إلى فضاء مالي إقليمي يعترف بالواقع، ويؤمن بإمكانات القارة، ويتحرر من سرديات المركز والهامش.