خلاصة تجربة سياسية.. كيف يشتغل بعض الأعيان للفوز بالمقاعد؟
بقلم الأستاذ نجيب البقالي، المحامي بهيئة الدار البيضاء والمستشار السابق بجماعة المحمدية والبرلماني السابق عن دائرة عمالة المحمدية
في قراءة نقدية لتجربته السياسية، يسلط الأستاذ نجيب البقالي الضوء على بعض الممارسات التي يرى أنها تطبع المشهد الانتخابي في عدد من الدوائر، محذراً من تحوّل الانتخابات من مجال للتنافس حول البرامج والأفكار إلى ساحة تتداخل فيها شبكات المال والنفوذ والمصالح.
ويرى البقالي أن بعض الأعيان لا يخوضون الاستحقاقات الانتخابية انطلاقاً من برنامج سياسي واضح أو مشروع مجتمعي قابل للنقاش، وإنما يعتمدون على عناصر أخرى، في مقدمتها الامتداد العائلي، والقدرة المالية، وشبكات المصالح، والقرب من مراكز النفوذ.
ويشرح أن المال، في بعض الحالات، لا يبقى مجرد وسيلة لخوض الحملة الانتخابية، بل يتحول إلى أداة لبناء شبكة من الولاءات والمصالح، بينما تلعب الأسماء العائلية ذات الامتداد الانتخابي دوراً في ضمان قاعدة من الأصوات.
كما يتوقف عند ما يسميه القرب من السلطة ومراكز النفوذ، حيث يسعى بعض المرشحين، حسب تصوره، إلى مراقبة موازين القوى والتحرك وفق قاعدة “مع من مالت الكفة نميل”، بدل تبني مواقف سياسية ثابتة وبرامج واضحة.
شبكة انتخابية واسعة
ومن بين الآليات التي يتحدث عنها البقالي، بناء شبكة انتخابية تمتد من المنتخبين ورؤساء الجماعات إلى مختلف الوسطاء والأتباع وأصحاب المصالح، لتتحول خلال فترة الانتخابات إلى ما يشبه “ماكينة انتخابية”، يتولى كل طرف فيها مهمة محددة لجمع الأصوات والتواصل مع الناخبين والتحرك داخل الأحياء.
ويعتبر أن هذا الوضع قد يجعل العملية الانتخابية في بعض الحالات أقرب إلى إدارة شبكة من المصالح والولاءات بدل أن تكون تنافساً حقيقياً بين مشاريع سياسية وبرامج انتخابية.
الإعلام بين التغطية والتلميع
وينتقد البقالي، في السياق ذاته، ما يصفه بـ”إعلام التطبيل والنفخ”، معتبراً أن بعض المنابر الإعلامية قد تنشغل بتلميع صورة المسؤول بدل طرح الأسئلة المرتبطة بالحصيلة والإنجازات والوعود التي لم يتم تنفيذها.
ويقول إن بعض الأنشطة الاجتماعية، والصور مع المواطنين، وتوزيع المساعدات، قد يتم تقديمها باعتبارها حصيلة سياسية، بينما يتم في المقابل تغييب النقاش حول الاختلالات والأخطاء والمشاكل الحقيقية التي يعيشها المواطنون.
الأحياء.. ساحة الصراع الانتخابي
ويتوقف صاحب المقال أيضاً عند دور الوسطاء داخل الأحياء والأزقة، حيث تصبح لكل منطقة شبكاتها وفاعلوها القادرون على الوصول إلى الناخبين والتأثير في اختياراتهم.
وحسب البقالي، فإن هذا الواقع قد يحوّل الحملة الانتخابية إلى مجال تتنافس فيه شبكات الوسطاء والولاءات، بدل أن تكون مناسبة لعرض البرامج ومناقشة انتظارات المواطنين.
عندما يتحول التنافس إلى ترهيب
ويعتبر البقالي أن الأخطر يبدأ عندما لا يعود المال والشبكات كافيين، فتظهر، حسب تعبيره، ممارسات الضغط والترهيب ضد المنافسين والمناضلين والمخالفين.
ويحذر من توظيف أشخاص ذوي سلوك عنيف أو سوابق بهدف التضييق على المنافسين ومنعهم من الوصول إلى بعض الأحياء، مؤكداً أن منع المنافس من الوصول إلى المواطن بدل إقناعه بالتصويت لمرشح معين ليس ممارسة سياسية، بل ضرب لجوهر العملية الديمقراطية.
المنافس القوي هو الخطر الحقيقي
وفي نظر البقالي، فإن المنافس الذي يشكل مصدر قلق حقيقي لشبكات النفوذ ليس بالضرورة صاحب المال، وإنما ذلك الذي يمتلك فكرة وبرنامجاً وتنظيماً ومناضلين، ويستطيع الوصول إلى المواطنين وإقناعهم دون شراء ولائهم.
ويشير إلى أن مثل هذا المنافس قد يتعرض، بحسب طرحه، لضغوط سياسية واجتماعية واقتصادية وإعلامية، وربما شخصية، بهدف إضعافه قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
ويخلص البقالي إلى أن الإشكال الأساسي يكمن في استعمال أدوات النفوذ المختلفة، من المال والعائلة والمصالح والإعلام والوسطاء والضغط، مقابل تهميش الأدوات الحقيقية للعملية السياسية: الفكرة، والبرنامج، والإقناع، والنقاش، والتنظيم، والاختلاف والمحاسبة.
ويطرح في ختام تجربته سؤالاً جوهرياً: هل نريد منتخباً يصل إلى المؤسسة المنتخبة لأن المواطنين اقتنعوا ببرنامجه، أم لأن لديه المال والشبكات والنفوذ؟
فالديمقراطية، كما يؤكد، لا تختزل في وضع ورقة داخل صندوق الاقتراع، وإنما تقتضي أن يكون المواطن حراً في اختياره، وأن يتمكن كل مرشح من الوصول إليه ومناقشته وإقناعه، وأن تجري المنافسة بعيداً عن الخوف والإكراه وشراء الذمم.
البقالي يحذر
ويحذر البقالي من أن تتحول الانتخابات، في هذه الحالة، من وسيلة للتعبير عن الإرادة الشعبية إلى آلية لإعادة إنتاج النفوذ.
فأخطر ما يمكن أن يحدث للديمقراطية، وفق خلاصة الأستاذ نجيب البقالي، ليس أن يخسر سياسي في الانتخابات، وإنما أن يصبح الفوز في الانتخابات ممكناً دون الحاجة إلى السياسة أصلاً.