التجربة السياسية… ليست سنوات ولا مناصب/

التجربة السياسية… ليست سنوات ولا مناصب/

جمال الدين بوعشرين  نايب رئيس المجلس البلدي الأسبق في عهد محمد مفضل
خلال عدد من اللقاءات والندوات، ومن خلال ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي، كثيرا ما أسمع وأقرأ عبارة «التجربة السياسية»، وكأنها صك يمنح تلقائيا لمن قضى سنوات في حزب، أو شغل منصبا انتخابيا، أو حضر عددا من المناسبات والتجمعات السياسية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما معنى التجربة السياسية في عمقها الحقيقي؟ ومن هو الشخص الذي يمكن أن نقول عنه فعلا إنه صاحب تجربة سياسية؟
في تقديري، التجربة السياسية لا تقاس بعدد السنوات وحدها، ولا بعدد المناصب التي تقلدها الشخص، ولا بكثرة ظهوره في المنابر واللقاءات. فالتجربة الحقيقية هي تراكم في الفهم والممارسة والمسؤولية والقدرة على قراءة الواقع واتخاذ المواقف.
فالسياسي الذي عاش داخل المؤسسات، واحتك بالمواطنين، وتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، وواجه الأزمات والاختلافات، وشارك في اتخاذ القرارات، وتعلم من أخطائه، واكتسب القدرة على الحوار والتفاوض والإنصات؛ هو الذي راكم تجربة سياسية حقيقية.
أما مجرد الانتماء إلى حزب لسنوات طويلة، دون مشاركة فعلية أو مسؤولية أو إنتاج أو تأثير، فلا يكفي وحده للحديث عن تجربة سياسية.
والسياسي ذو التجربة الحقيقية هو أيضا من لا يغتني بالسياسة.
فالسياسة، في جوهرها، مسؤولية وخدمة للشأن العام، وليست وسيلة للإثراء أو لتحقيق المصالح الشخصية. ومن الصعب أن نتحدث عن تجربة سياسية محترمة إذا تحولت المسؤولية إلى باب للامتيازات والمنافع الخاصة.
السياسي الحقيقي هو من يدخل السياسة وهو يعرف أن المنصب تكليف وليس تشريفا، وأمانة وليس فرصة للاغتناء، وأن ما يكتسبه من السياسة يجب أن يكون احترام الناس وثقتهم وحصيلة من العمل والعطاء، لا ثروة مشبوهة أو امتيازات شخصية.
كما أن التجربة السياسية الحقيقية تبدأ بالوعي قبل أن تبدأ بالموقع. فالسياسي المتمرس هو من يفهم طبيعة المجتمع، ويعرف انتظارات المواطنين، ويدرك حدود الممكن، ويفرق بين ما هو شعار انتخابي وما يمكن تحقيقه على أرض الواقع.
ومن أهم مواصفات صاحب التجربة السياسية أن يكون قادرا على الإنصات قبل الكلام، والحوار قبل الحكم، والاختلاف دون خصومة، والنقد دون تجريح، واتخاذ القرار دون تهور.
والتجربة تقاس كذلك بالقدرة على تحمل المسؤولية، وخاصة عندما تكون القرارات صعبة والظروف معقدة. فالسياسة ليست دائما تصفيقا ومهرجانات وخطابات؛ إنها أيضاً مسؤولية وتدبير وتنازلات ومواقف، وأحيانا تحمل تبعات قرارات صعبة عندما تكون المصلحة العامة تقتضي ذلك.
ثم إن التجربة السياسية لا ينبغي أن تكون وسيلة للتفاخر بالماضي. فالتجربة ليست امتيازا، وإنما رصيد للتعلم والتطور. ومن يكرر أخطاءه دون مراجعة لا يمكن أن يحول سنواته الطويلة إلى تجربة نافعة.
وفي زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي فضاء واسعا للتعبير السياسي، من الضروري أيضا التمييز بين الحضور الرقمي والتجربة السياسية. فكثرة المنشورات والتعليقات والمتابعات لا تصنع بالضرورة سياسيا متمرسا، كما أن كثرة الظهور الإعلامي لا تعادل بالضرورة الخبرة في تدبير الشأن العام.
إننا اليوم في حاجة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم التجربة السياسية، وألا نحصره في عدد السنوات أو المناصب. علينا أن نسأل: ماذا قدم هذا الشخص؟ ماذا تعلم؟ كيف مارس المسؤولية؟ كيف تعامل مع الاختلاف؟ وهل خرج من السياسة أكثر نزاهة أم أكثر ثراء؟
وفي النهاية، فإن التجربة السياسية الحقيقية ليست في طول المسار، وإنما في عمق ما راكمه الإنسان خلال ذلك المسار؛ وليست في عدد المناصب، وإنما في حجم المسؤولية التي تحملها؛ وليست في كثرة الكلام، وإنما في القدرة على تحويل الأفكار إلى مواقف، والمواقف إلى عمل ونتائج.
والسياسي صاحب التجربة الحقيقية هو من خرج من السياسة أكثر فهما للناس، وأكثر احتراما للمؤسسات، وأكثر تواضعا أمام المسؤولية، وأكثر حرصا على المصلحة العامة، ولم يجعل من السياسة سلما للثراء والامتياز الشخصي.
تلك هي التجربة التي تستحق الاحترام، وتلك هي التجربة التي ينبغي أن تكون معيارا عندما نختار من يمثلنا ويتحمل مسؤولية تدبير شؤوننا العامة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد