يرسم خطاب التحدي بين الولايات المتحدة وإيران لوحة قاتمة للحرب المستمرة في المنطقة، والتي لا يبدو أن هناك أفقا قريبا لنهايتها.
وصعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجمعة من خطابه تجاه إيران، معلنا أن “الاستسلام غير المشروط” الأمر الوحيد الذي من شأنه إنهاء الحرب، ليأتي الرد الإيراني سريعا حيث قال رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان إبراهيم عزيزي، إن طهران لن تعلن وقفا لإطلاق النار في الصراع الدائر مع الولايات المتحدة وإسرائيل تحت أي ظرف.
وكان ترامب كتب على منصته “تروث سوشال”، “لن يكون هناك اتفاق مع إيران سوى الاستسلام غير المشروط”، مضيفا أنه يعتزم “جعل إيران عظيمة مرة أخرى”.
وقال ترامب إنه في حال استسلام الجمهورية الإسلامية، ستعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها على إنقاذ إيران “من حافة الانهيار، وجعلها أقوى اقتصاديا وأكثر ازدهارا من أي وقت مضى”، لافتا إلى أن ذلك سيتطلب تنصيب “قائد عظيم ومقبول”.
وجاء الموقف المستجد للرئيس الأميركي بعد تصريحات لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استبعد من خلالها وقفا لإطلاق النار، مشيرا إلى أنهم لا يرون مبررا للتفاوض مع الولايات المتحدة.
وفي تأكيد إيراني على عدم وجود أي نوايا حاليا لوقف إطلاق النار، أطل رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان خلال مظاهرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل جرت عقب صلاة الجمعة في مصلى الإمام الخميني الكبير في العاصمة طهران، قائلا “لن نعلن وقفا لإطلاق النار أو مفاوضات تحت أي ظرف”.
وشدد عزيزي، على ضرورة أن يتبع جميع المسؤولين في البلاد نهج المرشد علي خامنئي، وأن يكونوا قريبين من الشعب في الميدان.
ويرى مراقبون أن نبرة التحدي التي سيطرت على خطاب الطرفين لا تخدم جهود خفض التصعيد، التي أشار إليها الرئيس الإيراني مسعود بزكشيان حيث كشف أن عددا من الدول بدأت بالفعل مساع للوساطة.
وأوضح بزشكيان، في تدوينة عبر حسابه على منصة إكس، الجمعة أي وساطة حقيقية يجب أن تُوجَّه نحو من سماها الأطراف التي أشعلت فتيل الأزمة عبر استهانتهم بالشعب الإيراني، وفق قوله.
ويقول المراقبون إن الطرفان يحاولان اعتماد سياسة لي الأذرع لكنهما سيضطران في النهاية إلى الجلوس إلى التفاوض في حال طل أمد الصراع.
ويشير المراقبون إلى أنه رغم النبرة الحادة لترامب وطلبه من إيران الاستسلام غير المشروط لكنه في الآن ذاته يرسل برسائل تبقي بعض النوافذ مفتوحة ومنها اختيار مرشد مقبول.
في هذه الأثناء، هدد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه سيتم تكثيف الضربات الأميركية على إيران، فيما تواصل إسرائيل قصف طهران والضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله اللبناني.
وهزّت انفجارات عنيفة العاصمة الإيرانية الجمعة في واحدة من أعنف موجات القصف منذ بدء الحرب. في المقابل، أظهرت مقاطع مصوّرة على الإنترنت حشودا من المصلين بالأسود، بعضهم يحمل الأعلام الإيرانية، تجمعوا في طهران للمشاركة في أول صلاة جمعة منذ اندلاع الحرب.
وقال رجل أعمال من طهران يدعى روبرت إن كثيرين غادروا طهران منذ بدء الحرب، مضيفا أن “الأمر مخيف جدا حقا”. وأضاف الرجل البالغ 60 عاما عند الحدود الأرمنية مع إيران “أُقيمت نقاط تفتيش في المدينة لمنع أعمال النهب وضمان السيطرة”.
وكانت إسرائيل قد توعّدت بـ”مرحلة جديدة” من الحرب، معلنة هذه المرة استهداف البنى التحتية للحكم في إيران والضاحية الجنوبية لبيروت.
وأظهرت مشاهد من البثّ المباشر من أحياء ضاحية بيروت الجنوبية مبانيَ مدمّرة كليا وسيارات محترقة في أعقاب القصف الإسرائيلي خلال الليل وأعمدة الدخان تتصاعد نهارا، فيما نزح عشرات الآلاف عن بيوتهم بعدما طلبت الدولة العبرية إخلاء المنطقة.
وشهدت ضاحية بيروت الجنوبية حالة من الهلع والذعر مع فرار السكان منها الخميس، إثر إنذار وجهه الجيش الإسرائيلي طلب فيه إخلاءها “الفوري”.
وتواصل الطائرات الحربية الإسرائيلية استهداف بلدات عدة في جنوب لبنان كما في شرقه، مع صدور أوامر للجيش الإسرائيلي بالتوغل أكثر إلى عمق جنوب لبنان لتوسيع نطاق سيطرته على الحدود.
وحذّر رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الجمعة من “كارثة إنسانية” بعد نزوح الآلاف من بيوتهم. والجمعة، دعا حزب الله السكان الإسرائيليين إلى إخلاء المناطق الواقعة ضمن خمسة كيلومترات من الحدود اللبنانية.
وفي إيران، بدأ الجيش الإسرائيلي شن سلسلة من الضربات “الواسعة النطاق” على العاصمة طهران الجمعة. وأفادت وسائل إعلام إيرانية عدة من بينها التلفزيون الرسمي، في وقت مبكر من صباح الجمعة، بوقوع سلسلة من الانفجارات في أجزاء مختلفة من العاصمة، خصوصا في شرقها وغربها.
من جهته، أعلن الحرس الثوري الإيراني الجمعة شن هجوم مركّب “بصواريخ ومسيّرات، بالإضافة إلى إطلاق وابل من صواريخ خيبر، مستهدفة مواقع في قلب تل أبيب”.
كما أعلن لاحقا أن قواته استهدفت أنظمة رادار أميركية في الإمارات العربية المتحدة والأردن وقطر، فيما أعلن الجيش الإيراني أنه استهدف في مياه الخليج ناقلة نفط أميركية، مشيرا إلى أن “النيران مشتعلة فيها”.
وعلى الجبهة الثالثة المتمثلة في دول الخليج، أعلنت السعودية وقطر صباح الجمعة اعتراض صواريخ ومسيّرات استهدفت قاعدتين جويتين في البلدين. أما البحرين فذكرت على منصة إكس أن إيران استهدفت “فندقين ومبنى سكنيا في العاصمة المنامة” من دون خسائر بشرية.
وأعلنت الأمم المتحدة الجمعة الحرب في الشرق الأوسط “أزمة إنسانية كبرى”. كما دعا المفوض الأممي لحقوق الإنسان إلى “تحقيقات محايدة” بعدما قالت إيران إن ضربة على مدرسة نسبتْها إلى الولايات المتحدة وإسرائيل أسفرت عن مقتل أكثر من 150 شخصا.
ولم تعلن الولايات المتحدة أو إسرائيل مسؤوليتهما عن الضربة، غير أن تحقيقا لصحيفة نيويورك تايمز رجّح أن الولايات المتحدة هي من نفذ الضربة خلال عملية عسكرية في المكان.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى التصعيد سيد الموقف. وكان ترامب قد اعتبر الخميس أنه ينبغي أن يشارك في اختيار خلف للمرشد الإيراني، رافضا فكرة إمكان اختيار نجله مجتبى خامنئي، وهو أحد المرشحين لخلافة والده وفق تقارير.
وأكدت إسرائيل الخميس أنها دمّرت أكثر من 60 بالمائة من منصات إطلاق الصواريخ البالستية الإيرانية و 80 بالمائة من منظوماتها للدفاع الجوي، وذلك عبر 2500 غارة استخدمت فيها أكثر من ستة آلاف ذخيرة، معلنة تحقيقها “تفوقا جويا شبه كامل في الأجواء الإيرانية”.
ومع اشتداد الحرب على الجمهورية الإسلامية، أكد زعيم “أنصار الله” في اليمن عبد الملك الحوثي أن “أيدينا على الزناد في ما يتعلق بالتصعيد العسكري (…) في أي لحظة تقتضي التطورات ذلك”.
كما بات العراق، الذي لطالما كان ساحة صراع غير مباشر بين الولايات المتحدة وإيران، أكثر انخراطا في الحرب. وقال مسؤول أمني إن طائرات مسيّرة استهدفت الجمعة مطارا ومنشأتين نفطيتين في جنوب العراق.
وكانت أسعار النفط قد ارتفعت في وقت سابق الجمعة بعدما أعلنت السلطات الكردية في العراق توقف الإنتاج النفطي نتيجة هجوم سابق.
وتبقى الجهود الدبلوماسية حكرا على الأطراف الثالثة في الوقت الراهن، وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخميس إنه يناقش “خطة” مع مختلف الأطراف المعنية لمنع انزلاق لبنان مجددا إلى الحرب، مستجيبا لنداء أطلقه نظيره اللبناني جوزيف عون.