أيام قليلة تفصلنا عن شعيرة عيد الأضحى المبارك، وفي الوقت الذي كانت تنتظر فيه الأسر المغربية انفراجاً في أسعار الأضاحي، صدمت الساكنة المحلية والوافدون على حد سواء بجحيم غير مسبوق في الأسعار. “محمدية بريس” انتقلت صباح اليوم الأحد في بث مباشر إلى قلب “سوق سويسرا” الأسبوعي (بجماعة سيدي موسى بن علي) التابع لعمالة المحمدية، لتنقل بالصوت والصورة نبض رحبة الغنم التي تحولت إلى ساحة للاحتقان والاستياء العارم.
أولى المفاجآت الصادمة التي استقبلت زوار سوق سويسرا هذا الصباح كانت خلوّ الرحبة شبه التام من قطيع الأغنام؛ حيث لم يتجاوز عدد الشاحنات (الكاميوات) المحملة بالماشية 6 إلى 7 شاحنات. وفي المقابل، غصت الرحبة بالآلاف من المواطنين الذين حجوا من المحمدية، وحي الفلاح، واللويزية، والهراويين، مما جعل أحد المواطنين يصرح بحسرة: “لقينا البشر أكثر من الحوالة، كلشي باغي يشري وما كاين ما يتشري”.
هذا النقص الحاد في العرض فتح الباب على مصراعيه لارتفاع صاروخي وخيالي في الأسعار؛ إذ تراوحت أثمنة الأكباش المتوسطة ما بين 5,000 و7,000 درهم، بينما قفزت أسعار “الكسيبة الغليظة” إلى أرقام فلكية تتراوح بين 9,000 و10,000 درهم للرأس الواحد.
أمام هذا الوضع المشتعل، صبّ المواطنون جام غضبهم على التصريحات الحكومية والتطمينات الرسمية التي روجت لوجود أضاحٍ بـ 1,000 درهم. وأكد المرتادون أن أقل خروف صغير في السوق (كله صوف ولا يزن إلا القليل) يطالب فيه صاحبه بـ 3,500 إلى 4,500 درهم.
وأمام العجز التام عن مسايرة هذه الأثمنة، اختارت عشرات العائلات مغادرة السوق فارغة الأيدي متجرعة مرارة الخيبة، بعد أن لخص أحد المواطنين رحلته قائلاً: “مشينا مع الفجر ودار لينا الغلا الشو، دابا غادي نضربوا الشو ونرجعوا بحالنا.. شربنا غير براد ديال أتاي وسفنج بـ 24 درهم وغاديين لبيوتنا بدون حولي”.
تجاوزت الأزمة حدود الرغبة في اقتناء الأضحية لتكشف عن جرح اجتماعي غائر. وفي تصريح تدمع له العين، صدح مواطن عاطل عن العمل بحرقة بالغة، منتقداً الغلاء الشامل الذي طال الخضار، والبوطا، والمواد الغذائية الأساسية، قائلاً: “أنا مواطن ما عندي خدمة ما عندي لانيتريت، الحولي بـ 6,000 درهم وروني كيفاش غادي نعمل؟ هاد الحكومة مسحات بنا الأرض، دعيناهم لله وهو اللي غادي ياخد فيهم الحق”.
الوضعية الصعبة لم تستثنِ مهنيي النقل؛ حيث صرح سائق عربة “طريبورتور” وفد من منطقة بني يخلف بأنه لم يجنِ منذ الصباح الباكر سوى 20 درهماً فقط بسبب ركود الحركة وشلل البيع والشراء، مستحضراً بحنين سنوات الرواج السابقة (مثل سنة 2018) حين كان المهنيون يتدبرون مصاريف أضحيتهم من رواج أيام الرحبة.
على المقلب الآخر، دافع الكسابة الصغار المتواجدون بسوق سويسرا عن أنفسهم، مؤكدين أنهم ليسوا المستفيدين من هذه الفوضى العارمة. وأوضح فلاح يملك قطيعاً صغيراً أن توالي 6 سنوات من الجفاف أنهك الفلاحين، غير أن “الضربة القاضية” جاءت من المضاربين الكبار وأصحاب “الكرافطات والشكارة” الذين يحتكرون الأعلاف والنخالة في مخازن سرية ويدفعون بأسعارها من 50 درهماً إلى 150 درهماً للكيس في غياب تام للمراقبة.
كما اشتكى الكسابة من حيف توزيع الدعم الحكومي، مؤكدين أن الفلاح البسيط لم ينله سوى فتات لا يتعدى 70 درهماً للرأس، في حين تذهب المليارات لأصحاب الضيعات الكبرى الذين يعمدون الآن إلى “خزن” الخراف الصغيرة للمواسم المقبلة وطرح الأكباش الضخمة بأسعار تعجيزية. وأشار متحدثون إلى أن الحولي بات يُباع ويُشترى بين “الشناقة الكبار” عشرات المرات قبل أن يصل للمواطن، مما يرفع سعره بشكل مصطنع.
تضع هذه الأجواء الاستثنائية بـ “سوق سويسرا” الجهات الوصية على القطاع الفلاحي في المحمدية تحت المجهر؛ فالساكنة تطالب بضرورة التدخل المستعجل لتقنين مسالك التوزيع، وضبط المضاربين الكبار الذين يقتاتون على جيوب البسطاء، وإيجاد حلول جذرية تحمي كرامة المواطن المغربي وتحفظ له حقه في إحياء شعائره الدينية دون السقوط في مستنقع الديون والكرامب المالي.